الراغب الأصفهاني

349

الذريعة إلى مكارم الشريعة

واعلم أن الحسد من وجه غاية البخل لأن البخيل يبخل بمال نفسه والحاسد يبخل بمال اللّه تعالى ، ولذلك قيل الحاسد بخيل بما لا يملكه ، ومن وجه هو أظلم ظالم لأنه يظلم غيره في إزالة حاله ويظلم ربه فيما قدره ، وقد قيل الحسد والحرص ركنا الذنوب ومنهما أنتج ذنب إبليس وآدم فإبليس حسد آدم فصار لعينا وطريدا وآدم حرص على ما نهى اللّه عنه فأخرج من الجنة ، فهما شجرتان تجتني منهما سائر الرذائل ، فمن قطع أسبابهما نجا ، فإن قيل فما وجه قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه اللّه مالا فجعله في حق ورجل أتاه اللّه حكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس » « 1 » قيل إنما عني بالحسد هاهنا الغبطة وقد سمي ذلك حسدا من حيث أنه عبارة عن الغم الذي ينال الإنسان من خير يناله غيره ولا يناله هو ، وعلى ذلك يقول الإنسان لولده لا تحسد فلانا فيما يتعلمه أي لا تتمنى حاله . واعلم أن الحسد ضرب من الحماقة لأن اغتمامه بما يناله ذووه وأهل بلده يقتضي أن يغتم أيضا بما يناله أهل الصين والهند على أن الخير الذي ينال ذويه إذا تفكر فيه هو أنفع له مما يناله الأباعد .

--> ( 1 ) قال العراقي : متفق عليه من حديث ابن مسعود ، مع تغير قليل في اللفظ . انظر عمدة القاري / 2 / 56 باب العلم - سنن النسائي / باب العلم .